السيد ثامر العميدي
280
حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني
بالمنهج العقلي الذي عُرِفت به المدرسة البغدادية دون مدرسة قم ، بتقريب أنّ الكليني روى في الكافي عن سهل بن زياد - الذي اخرِج من قم إلى الريّ ثمّ رحل إلى بغداد - أكثر من ألف حديث ، في حين لم يكثر عنه أرباب مدرسة قم النقلية كالشيخ الصدوق مثلًا ؛ ولهذا اختار الكليني - كما يزعمون - بغداد دون قم ! « 1 » كما لم تكن هجرة الكليني إلى بغداد بدوافع سياسية من قبل البويهيين ، ولم يتّصل برجال تلك الدولة ولم يرهم ، ولم يسع لتوطيد سلطانهم لا في إيران ولا في العراق أبداً ، كما توهّمه صاحب كتاب ( الكليني والكافي ) « 2 » . وكلّ ما ذكروه في هذا بيّن الفساد ، والصحيح في المقام هو أنّ اختيار ثقة الإسلام الكليني - تغمّده اللَّه تعالى بواسع رحمته - لبغداد دون غيرها ، إنّما هو لاعتبارات علمية محضة ، فبغداد في عصره عاصمة للدولة الإسلامية ، ومركز الحضارة ، وملتقى علماء المذاهب من شتّى المدن والأمصار ، ومستوطن السفراء الأربعة رضوان اللَّه تعالى عليهم ، وهذا ما يرشّحها إلى احتلال موقع الصدارة في قائمة انتخاب الكليني لحواظر العلم والدين التي يمكن نشر الفكر الإمامي على نطاق واسع فيها . ومن ثمّ فهو لم يغادر الريّ في نعومة أظفاره ، بل غادرها بعد تجوال طويل في بلاد إيران ، وقف خلاله على ما في جعبة القميّين وغيرهم من حديث الآل عليهم السلام ، فكان لابدّ من الانتقال إلى العراق والاستقرار ببغداد ؛ لتكون منطلقه إلى مدن العراق والبلاد المجاورة كالشام والحجاز ، خصوصاً وأنّ أرض السواد تمثّل مركز الثقل الأعظم لتراث أهل البيت عليهم السلام ، إذ لا يوجد في الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام إماماً قط لم يدخل العراق طوعاً أو كرهاً ، وبالتالي وجود ستّة مراقد مقدّسة لآل اللَّه عليهم السلام موزّعة على ربوع أرض
--> ( 1 ) . كما في بحوث حول روايات الكافي : ص 12 ، نشر دار الهجرة ، قم / 1415 ه . ( 2 ) . راجع : الكليني والكافي : ص 266 ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم / 1416 ه .